زكريا القزويني
526
آثار البلاد واخبار العباد
وحكي أن جيحون مع كثرة مائه يجمد في الشتاء ، وكيفيّة جموده أنّه إذا اشتدّ البرد وقوي كلبه جمد أوّلا قطعا ، ثمّ تسري تلك القطع على وجه الماء ، وكلّما ماسّت قطعة من تلك القطاع أخرى التصقت بها ، ولا تزال تنضمّ حتى صار جيحون كلّه سطحا واحدا ، ثمّ يثخن ويصير ثخنه في أكثر الأوقات خمسة أشبار ؛ قال ابن فضلان في رسالته : رأيت جيحون وقد جمد سبعة عشر شبرا . واللّه أعلم بصحّته . ثمّ يبقى باقي الماء تحته جاريا فيحفر أهل خوارزم فيه آبارا بالمعاول حتى يخرقوه إلى الماء ، ثمّ يسقون منها كما يسقى من البئر لشربهم ، ويحملونه في الجرار . وإذا استحكم جمود هذا النهر عبرت عليه القوافل والعجل الموقرة بالبقر ، ولا يبقى بينه وبين الأرض فرق ، ويتظاهر عليه الغبار كما يكون في البوادي ، ويبقى على ذلك نحو شهرين . فإذا انكسرت سورة البرد عاد ينقطع قطعا كما بدا في أوّل أمره إلى أن يعود إلى حاله الأولى . وهو نهر قتّال قلّما ينجو غريقه . وبها جبل على ثمانية فراسخ من المدينة ؛ قال أبو حامد الأندلسي : هذا الجبل فيه شعب كبير ، وفي الشعب تلّ عال ، وعلى التلّ شبه مسجد عليه قبّة له أربعة أبواب آزاج كبار ، ويتراءى للناظر كأن بنيان ذلك المسجد من الذهب ظاهره وباطنه ، وحوله ماء محيط بالتلّ راكد لا مادّة له إلّا من ماء المطر والثلج زمان الشتاء . وإن ذلك الماء ينقص ويزيد ذراعا في الصيف والشتاء في رؤية العين . والماء ماء عفن نتن عليه طحلب لا يستطيع أحد أن يخوضه ، ومن دخل في ذلك استلبه الماء ولا يظهر أثره البتّة ، ولا يدرى أين ذهب . وعرض الماء مقدار مائة ذراع . وحكي أن السلطان محمود بن سبكتكين وصل إلى هذا الموضع وأقام به زمانا وألقى فيه الزوارق فغاصت فيه ، فأمر السلطان جميع عساكره بحمل التراب والخشب ونفضها في ذلك الماء ، فكلّ شيء ألقي فيه غاص ولم يظهر له أثر . وقالوا : إن ذلك الماء إذا وقع فيه حيوان لم يقدر أحد على إخراجه البتّة ، وان